المناوي

307

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

مات الإمام الغزاليّ رضي اللّه عنه عن خمس وخمسين سنة . قال النووي رضي اللّه عنه في « بستانه » « 1 » عن شيخه التفليسي « 2 » رضي اللّه عنه : أحصيت كتب الغزاليّ رضي اللّه عنه التي صنّفها ، ووزّعت على عمره فخصّ كلّ يوم أربعة كراريس . قال بعضهم : ورؤي في النوم ، فسئل عن حاله ، فقال : لولا هذا العلم الغريب لكنّا على خير كثير . قال العارف ابن عربي رضي اللّه عنه : فتأوّلها علماء الرّسوم على ما كان عليه من علم هذا الطريق ، وقصد إبليس بهذا الطريق الذي زيّنه لهم أن يعرضوا عن هذا العلم فيحرموا هذه الدّرجات ، أتراه أمر بأن يطلب الحجاب عن اللّه والبعد عنه ؟ والصفة النّاقصة عن درجة الكمال ؟ هذا إذا لم يكن لإبليس دخل في الرّؤيا ، وكانت ملكية ، وإذا كانت الرؤيا من اللّه فالرّائي في غير موطن الحسّ ، والمرئيّ ميت ، فهو عند الحقّ لا في موطن الحسّ ، والعلم الذي كان عرض عليه أبو حامد رضي اللّه عنه في أسرار العبادة وغيرها ما هو غريب عن ذلك الموت الذي الإنسان فيه بعد الموت ، بل تلك حضرته وذلك محلّه فلم يبق العلم الغريب عن ذلك الموطن إلّا ما كان يشغل به الدنيا من علم الطّلاق والنّكاح والمبايعة ونحو ذلك ، وعلوم الأحكام المتعلّقة بالدّنيا ليس للآخرة تعلّق بها البتّة ، فإنّه بالموت يفارقها ، فهذه العلوم الغريبة عن موطن الآخرة ، كالهندسة والهيئة ممّا لا نفع له فيها إلّا في الدنيا ، وإن كان فيها أجر من حيث نيّته ، فالخير الرّاجع إليه منها قصده ونيّته لا عين العلم ، فإنّه يتبع معلومه ، ومعلومه في الدّنيا لا الآخرة ، فكأنّه يقول في رؤياه : لو اشتغلنا ، وقال : شغلنا بهذا العلم الغريب عن هذا الموطن بالعلم الذي يليق به ، ويطلبه هذا الموضع : كنّا على خير كثير ، ولو كان علمه بأسرار العبادة ، وما يتعلّق بالجناب الأخروي لم يكن غريبا ، لأنّه موطنه ، والغربة إنّما هي لفراق الوطن ، فإيّاك أن تحجب

--> ( 1 ) بستان العارفين 152 . ( 2 ) في المطبوع البلقيني .